محمد بن جرير الطبري
178
جامع البيان عن تأويل آي القرآن
حدثنا مجاهد بن موسى ، قال : ثنا جعفر بن عون ، قال : أخبرنا الأعمش ، عن أبي ظبيان ، قال : النار سوداء مظلمة لا يضئ لهبها ولا جمرها ، ثم قرأ : كلما أرادوا أن يخرجوا منها من غم أعيدوا فيها وقد ذكر أنهم يحاولون الخروج من النار حين تجيش جهنم فتلقي من فيها إلى أعلى أبوابها ، فيريدون الخروج فتعيدهم الخزان فيها بالمقامع ، ويقولون لهم إذا ضربوهم بالمقامع : ذوقوا عذاب الحريق . وعني بقوله : ذوقوا عذاب الخريق ويقال لهم ذوقوا عذاب النار ، وقيل عذاب الحريق والمعنى : المحرق ، كما قيل : العذاب الأليم ، بمعنى : المؤلم . القول في تأويل قوله تعالى : * ( إن الله يدخل الذين آمنوا وعملوا الصالحات جنات تجري من تحتها الأنهار يحلون فيها من أساور من ذهب ولؤلؤا ولباسهم فيها حرير ئ وهدوا إلى الطيب من القول وهدوا إلى صراط الحميد ) * . يقول تعالى ذكره : وأما الذين آمنوا بالله ورسوله فأطاعوهما بما أمرهم الله به من صالح الأعمال ، فإن الله يدخلهم جنات عدن تجري من تحتها الأنهار ، فيحليهم فيها من أساور من ذهب ولؤلؤا . واختلفت القراء في قراءة قوله : ولؤلؤا فقرأته عامة قراء أهل المدينة وبعض أهل الكوفة نصبا مع التي في الملائكة ، بمعنى : يحلون فيها أساور من ذهب ولؤلؤا ، عطفا باللؤلؤ على موضع الأساور لان الأساور وإن كانت مخفوضة من أجل دخول من فيها ، فإنها بمعنى النصب قالوا : وهي تعد في خط المصحف بالألف ، فذلك دليل على صحة القراءة بالنصب فيه . وقرأت ذلك عامة قراء العراق والمصرين : ولؤلؤ خفضا عطفا على إعراب الأساور الظاهر . واختلف الذي قرأوا ذلك كذلك في وجه إثبات الألف فيه ، فكان أبو عمرو بن العلاء فيما ذكر لي عنه يقول : أثبتت فيه كما أثبتت في قالوا وكالوا . وكان الكسائي يقول : أثبتوها فيه للهمزة ، لان الهمزة حرف من الحروف . والقول في ذلك عندي أنهما قراءتان مشهورتان قد قرأ بكل واحدة منهما علماء من القراء ، متفقتا المعنى صحيحتا المخرج في العربية فبأيتهما قرأ القارئ فمصيب . ]